|
أمهات لازمهن المرض وأعياهن الانتظار لغائب تأخر سؤاله !! [21/مارس/2008] صنعاء- سبأنت: سوسن الجوفي "أم جمال "عجوز الستين عاما أعتبرها جميع أبناءها الشمعة التي احترقت سهرا وتعبا لتضئ لهم معالم الطريق كما كانت مرفأ العطف والحنان الذي كان يشتاقه الجميع في كل لحظة . عجوز الستين لم يكتف الزمن بخط تجاعيد الوقت والصحة على ملامحها بل ستوطنها مرض نفسي ليكون سببا في ابتعادها عن بيتها وأبناءها وبدأت الشمعة التي تلاشى نورها تذوب حسرة وانتظار لقادم يسأل عن حالها وعندما تطول ساعات وأشهر وسنين الانتظار ترفع أم جمال يديها إلى السماء ترجو االله ان يحفظ أبناءها ويدفع كل بلاء عن المقصرين الغائبين الذي طال انتظار سؤالهم .. في مناسبة تدعى اليوم عيد الأم تجولت سطور وكالة الأنباء اليمنية / سبأ /في مستشفى الأمل للأمراض النفسية والعصبية ورصدت عددا من الأمنيات لأمهات أعياهن المرض إضافة إلى تعب الانتظار .
*قصة أمهات خلف الأسوار
خلف بوابة حديدية محكمة الإقفال وسط مبنى حديث يتوسطه حديقة جميلة منسقة توحي لزائرها مدى اهتمام القائمين على المكان بنظافته وترتيبه وفي كل غرفة داخل المبنى حكاية وقصة أليمة بعدد النزيلات مع مرض اختلفت أنواعه ومسمياته والقاسم المشترك بين الجميع أنهم مرضى نفسيين . كانت الخطوة الأولى مع الوالدة أم جمال تتجاوز الستين عاما من عمرها ارتبطت بالمكان وأرتبط المكان بها العشرة الأعوام التي قضتها في بداية الأمر نزيلة في دار العجزة ومن ثم في المستشفى ولد لديها حب المكان وحب من فيه ... كما ولدت العشرة الأعوام قناعة لديها تجاه إبنها الوحيد جمال أن وجودها معه وبين أولاده وزوجته سيكون عبئا ثقيلا لأنه كما ظلت تردد كل لحظة ( مسكين ، طفران ، معه عيال ) . في هذا المكان تجد أم جمال من يهتم بها ويلبي جميع احتياجاتها بعد اعتراف واضح وصريح من ابنها وزوجته بعدم القدرة على ذلك وهذا ما جعل ام جمال تصرف نظر تماما عن عودتها للعيش معهم ..لا يوجد من يحتمل المريض ومرضه .. تحدثنا إليها أن اليوم عيد الأم ما الذي تريده من ولدها قالت (عافيته )وبعد صمت دقائق علقت قائلة / قبل سنوات جاء يدور مني عشرة ريال يخلي ليحالي قلبي تعبان / ومن ثم ختمت حديثها بالدعاء له ولأولاده . في الغرفة المجاورة لغرفة ام جمال والتي تضم كل غرفة خمس نزيلات تقبع ام احمد التي تعاني من إنفصام في الشخصية لم تخط الخمسين عاما على ملامحهاالكثير لأن الابتسامة لا تفارق وجهها فقد استقبلتنا بحفاوة وكأنها صاحبةالمكان ونحن ضيوفها ام احمد لديها خمسة أبناء تعترف باهتمامهم لزيارتها كل شهرين او ثلاثة وهي تفتقد لهم كثيرا والدعاء لهم بالصلاح والخير لايفارق لسانها كما تفتقد لأبنائهم الذين لا تراهم إلا في الأعياد ..
وعندما سألناها ما الذي تريده منهم أجابت نحاول إقناعهم انها تعيش بين المريضات والحسودات وتريد الخروج والعيش معهم وبلهجتها البسيطة تقول (شوقي وألقاهم الأن ). تجاور ام أحمد في الغرفة والمرض ام عبدالله ( 45 عاما ) تعثر حظها في الحياة الزوجية والتي عاشت تجربتها مرتين ولديها أبناء من زوجها الأول لا تعلم عنهم شيئا أما بالنسبة لأولادها من زوجها الأخير فهم يأتون للسؤال عنها ... وقد تركت أم عبدالله دارها منذ خمسة أعوام لتتكيف مع حياة جديدة تختلف عما كانت عليه في منزلها .. أم عبدالله جميع أبناءها السبعة تتمنى لهم الخير جميعا سواء الذين يسألون عنها او من قاطعها وعندما سألناها عن رغبتها بالعيش بينهم أجابت نعم وتابعت قائلة ( لكن ما حدا بيقول تعالي أنا دارية )ام عبدالله كبقية الأمهات لا يهمها إن كان هناك يوم للأم او للأب كل مايردنه جميعا أن يفتح الله على أبناءهن ويرزقهم ويبعد عنهم كل شر .
*أمنية قبل أوانها
ما تتمناه أم محمد من ابنها الذي لم يتجاوز عمره الرابعة عشرة أن يكبر سريعا كي يهتم بها وبأخواته وهي تنتظر اليوم الذي يأتي ومحمد رجلا يخرجها من هذا المكان كي تربي ابنتيها بعيدا عن المعاملة السيئة التي يواجها الجميع من زوجها كما تقول . مع أن وجع وألم هؤلاء الأمهات له خصوصيته وبالرغم من إهمال الزيارةوالسؤال من الولد الذي تحملت أعباء تربيته ورعايته بعد حمله وولادته إلا أننا لم نجد أم واحده تلوم أو تعاتب الجميع يحس بالملل وروتينية مرورالأيام والأشهر والسنين بالرغم من الاعتراف باهتمام المستشفى ورعايته إلا أن الإحساس والحنين إلى رعاية الأبناء واهتمامهم له مذاق ونكهة أخرى ..
تقول / ريم الرشيدي / الممرضة المسؤلة والمتابعة بقسم النساء بالمستشفى أن تأقلم الحالات بعد وصولها المستشفى يكون صعبا ومن ثم يتكيف الجميع لتعود سواء كانت المريضة أو الممرضة .. ريم ممرضة لفترة تزيد عن ثمان سنوات وهي أم أيضا وقد تأثرت بحالات كثيرة تأتي إلى المستشفى كثيرا منها واقعة بسبب الظلم والمعاملة فالقسم الذي تعمل فيه يضم نساء أمهات وفتيات حتى عرائس !! وأضافت ريم أن معاملة المريضة من قبل الأهل تختلف هناك من يتابع بالسؤال والزيارة وهناك من يكون سؤاله وزيارته موسمية تتجاوز السنوات .
نأسف أن نختم سطورنا بأمنية كل أم لم نتأكد بعد من وصول معاناتها إلىأبن مقصر او متهاون أو غائب لدية والدة في مكان ليست بحاجة فيه إلى ان يحيى لها أبناءها احتفالا بمناسبة يوم الأم ولا تنتظر هدية مغلفة يعبر بها الجميع عن تقديرهم كما يفعل من يعيش خارج أسوار هذا المكان إنها تفتقد لزيارة لن تتجاوز الساعة أو أقل باعتبارها العصا التي توكأ عليها لجميع من نكبات الوقت وعثراته عندما كانت بقوتها وعافيتها وعندما ضعفت ووهنت لم تجد عصاها التي اشتدت واستمدت طاقتها وقوتها من عطفها وحنانها ورعايتها .
سبأ
|